عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

157

اللباب في علوم الكتاب

أي : أيقنوا ، وقد تقدّم تحقيق ذلك والردّ عليه عند قوله تعالى : إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [ البقرة : 229 ] . قوله : أَلَّا تُقْسِطُوا إن قدّرت أنها على حذف حرف الجر ، أي : « من أن لا » ففيها الخلاف المشهور أي : في محل نصب [ أو جر ، وإن لم تقدّر ذلك بل وصل الفعل إليها بنفسه ، كأنك قلت : « فإن حذرتم » فهي في محل نصب ] « 1 » فقط كما تقدّم في البقرة . وقرأ الجمهور : « تقسطوا » بضم التاء ، من أقسط : إذا عدل ، فتكون لا على هذه القراءة نافية ، والتقدير : وإن خفتم عدم الإقساط أي : العدل . وقرأ إبراهيم النخعي « 2 » ويحيى بن وثّاب بفتحها من « قسط » وفيها تأويلان : أحدهما : أن « قسط » بمعنى « جار » ، وهذا هو المشهور في اللغة ، أعني أن الرباعي بمعنى عدل ، والثلاثي بمعنى جار ، وكأنّ الهمزة فيه للسّلب بمعنى « أقسط » أي : أزال القسط وهو الجور ، و « لا » على هذا القول زائدة ليس إلا ، وإلا يفسد المعنى كهي في قوله لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [ الحديد : 29 ] . والثاني : حكى الزجاج أن « قسط » الثلاثي يستعمل استعمال « أقسط » الرباعي ، فعلى هذا تكون « لا » غير زائدة ، كهي في القراءة الشهيرة ؛ إلّا أنّ التّفرقة هي المعروفة لغة . قالوا : قاسطته إذا غلبته على قسطه ، فبنوا « قسط » على بناء ظلم وجار وغلب . وقال الراغب « 3 » : « القسط » أن يأخذ قسط غيره ، وذلك جور ، وأقسط غيره ، والإقساط أن يعطي قسط غيره ، وذلك إنصاف ، ولذلك يقال : قسط الرّجل إذا جار ، وأقسط إذا عدل ، قال تعالى : وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً [ الجن : 15 ] . [ وقال تعالى : وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [ الحجرات : 9 ] . وحكي أنّ الحجّاج لما أحضر سعيد بن جبير ، قال له : ما تقول فيّ ؟ قال : « قاسط عادل » فأعجب الحاضرون ، فقال لهم الحجاج : ويلكم لم تفهموا عنه إنّه جعلني جائرا كافرا ، ألم تسمعوا قوله تعالى : وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً « 4 » [ الجن : 15 ] . وقال تعالى : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [ الأنعام : 1 ] وقد تقدم الكلام على هذه المادة من قوله : قائِماً بِالْقِسْطِ [ آل عمران : 18 ] . قوله : ما طابَ في « ما » هذه أوجه : أحدها : أنها بمعنى الذي وذلك عند من يرى أن « ما » تكون للعاقل ، وهي مسألة

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) انظر : المحرر الوجيز 2 / 6 ، والبحر المحيط 3 / 170 ، والدر المصون 2 / 299 . ( 3 ) ينظر : المفردات ص 403 ، الدر المصون 2 / 300 ، عمدة الحفاظ 3 / 360 . ( 4 ) سقط في أ .